| مجالس العرب | ||||
|
خذوا الإسلام جملة أو دعوه واحدة من التهم التي توجهها النُـخَـب المثقفة لأصحاب الخطاب الديني؛ إغراقهم في الحديث عن الغيبيات والشكليات ونصوص الإنذار والتخويف. فهي تهمة ثلاثية الأبعاد وتنطوي على بعد رابع وهو انفصال طروحات أصحاب هذا الخطاب عن هموم الواقع المعاش وعدم قدرتها بالتالي على مواجهة التحديات الكبرى التي يفرضها عالم مفتوح معقد الأفكار ومتعدد التيارات. بدايةً، فإني أعترف بعدم العصمة لأصحاب الخطاب الديني سواءً كانوا علماءً أو دعاةً أو حزبيين أو إعلاميين أو أكاديميين فهم بشر يؤخذ من كلامهم ويرد. وقد يعتري خطابهم الجمود والضعف وخلط الأولويات، لكن سهام النقد هنا لا تتوجه للشكل بمقدار استهدافها للمضمون ذاته. مع أني لا أنكر أن أفراداً من هذه النُـخَـب المثقفة ينتقدون الخطاب الديني مدفوعين بالغيرة على دينهم ويريدون الرقي بأمتهم، متمنين على الدعاة أن يتجه خطابهم من "الدروشة" - كما يحلو للبعض أن يسميها - إلى إبراز تعاليم الدين التي تتفاعل مع حقائق الحياة. وأن يتركوا القشور وينصرفوا لتلميع جوهر الدين ليكون مرآة لواقع الأمة أفراداً وجماعات وحكومات، فيكتشف الأمراض والآفات ليصف الدواء. يقول هذا الفريق أين قضايا مجتمعنا من أحاديث لا نعرف أصلها تدور حول أشراط الساعة وخروج المسيح الدجال، وعن ترهيبنا من عذاب القبر وأحوال الآخرة؟ ويرى هذا الفريق في بعض الأحاديث النبوية التي تبشر بالأجور العظيمة والثواب الجزيل على بعض الأعمال شكليات وقشور. مثل الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" أو مثل حديث أخرجه الترمذي وحسنه عن علي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة". ويتساءلون.. لماذا يتجه الخطاب الإسلامي لطرح النصوص الخلافية التي يبدو ظاهرها متنافياً مع العلم مثل الحديث المثبت في صحيح مسلم أن رجلاً شكا للنبي صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده، فقال النبي: ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: بسم الله – ثلاثاً – وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" أو مثل حديث الذبابة الذي رواه البخاري في صحيحه وابن ماجه في سننه وأحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ـ كله ـ ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء". يلاحظ القارىء الكريم أن الإيمان بالغيب هو الخيط الذي يجمع الأمثلة السابقة، فبعضها غيبي لأنه لم يقع كخروج الدجال، وبعضها الآخر غيبي لأنه لا سبيل إلى إدراكه بالحواس كأحوال أهل القبور، وتشييع الملائكة لمن يزور مريضاً، وأما النصوص التي يبدو ظاهرها مخالفاً للعلم كحديث الذبابة فهو غيبي من جانب امتحان المسلم بتصديق ما بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم سواءً أثبت العلم المعاصر ذلك أم بقي إثبات ذلك في سجف العلم المغيّب عن البشر. وارتكازاً مني على محور الإيمان بالغيب الذي أراه هو العامل الجامع والحاسم في اعتراضات المعترضين على الخطاب الديني، فإني سأتكىء في النقاش على هذه النقطة الجوهرية. وبخصوص تغليب الخطاب الديني لأحاديث الترهيب وآيات التخويف فإن الأمر يحتاج لبسط لا يتسع له المقام، مما يحتّم عليّ إفراده بموضوع إنشاء الله وأعان. * * * إن الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان من عالم الماديات الضيق الذي تدركه الحواس إلى عالم الغيب الرحيب الذي تدركه البصيرة. والإيمان بالغيب كما يقول سيد قطب: "نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير. كما أنها نقلة بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيز الصغير كمن يعيش في الكون الكبير، ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان". إن العيش في رحاب الغيب الذي وعد الله به عباده وأخبر، ينقل الإنسان إلى حياة مطمئنة وارفة الظلال دانية الثمار، وتنعكس على صلته بالله وفاعليته الإيجابية وصلته السوية بأهله ومجتمعه، فيقين المسلم بأن الملائكة تتنزل عند تلاوة القرآن ومدارسته يشعره بالأنس والغبطة، وإيمانه بأنه إذا ذكر الله وتفكّر بعظمته، فسبحه أو دعاه فإن الله يذكره باسمه ويباهي به ملائكته من شأنه أن يشعره بمدى التكريم الإلهي، فهو ليس كتلة من طين ولا كومة من لحم ودم وعظم لكنه نفخة روح علوية تناجي رب العالمين فتتجاوز العالم المشهود وتصعد إلى الملأ الأعلى. إنه يصل بذلك العطاء الإلهي إلى الغنى النفسي الذي يمنحه تعاطياً سليماً مع مجريات الحياة وتسامياً على الخصومات وقدرة على تجاوز الصعوبات، ويهيمن عليه شعور بمراقبة الله فلا يكذب ولا يخون ولا يعتدي ولا يظلم. بل على العكس فإن رجاءه بالثواب الغيبي المذكور في بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية - مثل الحديث السالف في استغفار سبعين ألف ملك لمن يزور مريضاً أو حديث: أن الله يظل تحت عرشه من تصدق بصدقة في السر- لتدفع المسلم إلى المسارعة في الخيرات التي تعود على الفرد والمجتمع بمصالح الدنيا والآخرة. ولأن هذا الدين من لدن حكيم عليم فإن عقائده وأخلاقه وتشريعاته يأخذ بعضها بحَـجُزِ بعضٍ وتتفاعل جميعاً لتعطي منهجاً ربانياً فريداً عاشت البشرية في ظله بسعادة ردحاً من الزمن. وهو قادر على إعطاء ثمراته الطيبة للبشرية إذا أخذت به جملة وليس بانتقائية، فهو منهج رباني المصدر بفروعه وأصوله وأسفله مغدق وأعلاه مثمر، ولا مكان في عقائده وتشريعاته للقشور والشكليات كما يزعم من خانهم التوفيق في فهمه وكذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه. ولعل هذا المعنى يتضح في الحديث الذي اتفق على صحته الشيخان "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شُعبه فأفضلها قول: لا إله إلا الله ومن ناحية أخرى، فإن بعض من يردّون النصوص الدينية خصوصاً الأحاديث النبوية الثابتة بما فيها من غيبيات أو بما يظهر فيها لعقول البشر القاصرة من عدم انسجام مع العقل أو الطب الحديث هم في حقيقة الأمر متأثرين بضغوطات الفكر الغربي المادي سواءً اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا. إنهم يشعرون بالحرج من تلك النصوص فيتعسفون في إلغائها من نظريتهم المعرفية، وفي أحسن الأحوال يحاولون تأويلها وليّ أعناقها عن معانيها الظاهرية الجليّة إلى ما ينسجم مع الفكر المادي السائد كما فعل الشيخ محمد عبده في تفسيره للطير التي رمت أبرهة وجيشه بحجارة من سجيل فقال: "فشا في جنود أبرهة داء الجدري والحصبة... ويجوز الاعتقاد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه". أرى أن مثل هذا التفسير مال صاحبه إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات فانصرف عن المعنى الظاهري للآيات إلى تفسير متعسف غازل فيه الفكر الغربي التجريبي الذي شهد الشيخ بداية صعود نجمه وكان مبهراً له بحكم ولع المغلوب بتقليد الغالب. * * * والخلاصة؛ أننا أمام دين أساس منهجه ومدار الامتحان فيه يقوم على الإيمان بالغيب والتصديق بخبر السماء قال تعالى: "آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة" فقد جعل الله الإيمان بالغيب أولى صفات المؤمنين وألزمها لهم، فهم يؤمنون بالله وملائكته مع أنهم لم يروهم ويصدّقون بالنبيين وبوحي السماء إليهم مع أن عهد النبوة انصرم بوفاة خاتم النبيين. ودنيا المؤمنين ليست المنتهى فهم يتحركون في الحياة موقنين ومشفقين من يوم عظيم يقوم الناس فيه لرب العالمين. وأمام نصوص غيبية كثيرة من الوحي الإلهي سواءً كانت قرآناً أو سنة قطعية الثبوت فلا يجوز ردها، وهي واضحة الدلالة فلا مسوّغ لتأويلها، فإن أي مؤمن جاد لا يملك أن يحيد عنها أو أن ينتقي منها ما يروق للسلطان أو ما يداهن به الغرب أو يساير به الواقع. وأمام هذه الحقائق الكبرى التي ليس فيها هزل، فإني أختم كلامي بنصيحتين أما الأولى فهي لمن أحسن بهم الظن من النخب المثقفة وأعتقد بسلامة مقصدهم في توجيه النقد للخطاب الديني وأصحابه فأقول لهم: لا تردوا النصوص التي ثبتت صحتها لأهواء أنفسكم، ولا تردوا ميراث السنة النبوية التي اعترف المستشرقون بقطعية ثبوته وأمانة ودقة من نقلوه. وعوضاً عن ذلك، امنحوا دينكم - كما هو دون تحفظاتكم وشروطكم المسبقة - امنحوه فرصة ليتفاعل مع نفوسكم بالاستسلام بين يدي ربكم والوقوف ببابه وقوف الذليل المفتقر لهدايته وتوجيهه. عندها وعندها فقط، ستصلون للإجابة على أسئلتكم القلقة الحائرة وستذوقون السكينة والرضا. إن نجاح هذا الدين يقوم على تحقيق المدلول الحقيقي لكلمة "الإسلام" أي الاستسلام لله، ولا يمكن أن يغيّر النفوس إلا إذا خلع أصحاب تلك النفوس على عتبته الركام والغثاء والرواسب التي تثقل كواهلهم. أقول لأصحابنا: أعطوا هذا المنهج الرباني فرصة للعمل كما أعطيتم فرصا لمناهج البشر فانتهيتم بسببها إلى سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. والنصيحة الثانية هي للنخب المثقفة الجبانة التي لا تجرؤ على إعلان انسلاخها عن الإسلام نفاقا للعوام. مع أن طروحاتها وأدبياتها تمثل بدون شك انسلاخاً عملياً عن الإسلام جملةً وتفصيلاً. ولا أدري ما الذي يبقى في إسلام امرء يُخضع وجود الله وكلامه لقوانين النسبية!! أنصح هذه الفئة أن تكون خصماً شريفاً وشجاعاً فتخرج أولاً من دائرة الإسلام وبدلاً من اجترار منهج الشك الديكارتي أن تعكف هذه الفئة على نظرية متكاملة تقدم من خلالها للأمة تصوراً فكرياً للكون والحياة ومنهجاً تشريعياً للتطبيق، نابع من رؤيتهم المادية التي لا تقيم للإيمان بالغيب وزناً. إن ذلك بالتأكيد أفضل للأمة من التشويش الناتج عن محاولاتهم المنافقة في التماهي بالإسلام واعتبار أنفسهم امتداداً للثوار المتنورين من الزنادقة والزنج والشطار والعيارين الذين أرادوا إعادة صياغة دين الله، فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين. بقلم : معتز محمد هاشم
|
||||