| مجالس العرب | ||||
|
بين يدي رمضان كم أكره الزحام.. وكم أعاهد نفسي ألا أذهب بقدميّ لمظانّـه.. وكم من المرات أجد نفسي وسط عبابه.. فتضيق نفسي، ولا أجد فسحة إلا بأن أعاهدها ألا أعود لأماكن الزحام مهما كانت الدوافع والأسباب. هذه الليلة كنت أشتري لوازم للبيت فوجدتني تتقاذفني أمواج من البشر يتدافعون ويتزاحمون على "لوازم شهر رمضان"، وفي تقديري هي ليست لوازم حقيقية بل هي لزوم ما لا يلزم. نظرت إلى الأطفال الذين بصحبة أهليهم، فقلت إن هذه الأجواء المشحونة بالروح الاستهلاكية والتنافس المحموم على ملء بطونٍ لا تشبع، تجعل أذهان الأطفال تندفع دفعاً نحو الاعتقاد بأن شهر رمضان هو شهر الطعام. فقد نقل لي صديق تعليقاً طريفاً لابنته ذات السبع سنوات عندما سألته بتلقائية: "صح يا بابا أنتو بتجوّعوا حالكوا كثييير عشان تاكلوا أكثر لما يأذن المغرب". يبدو أن الطفلة بتلقائيتها لخّصت كيف تحيا أمة القرآن في شهر رمضان. وكيف خرجت عن مقاصد الشهر بتحقيق التقوى والاقتراب من الله أكثر والوقوف بين يديه وتحري ليلةً في هي خير من ألف شهر وتدبر رسالة الله للبشر التي نزلت في تلك الليلة والانطلاق بها عملا ودعوة في جنبات الأرض. وآثرت المشمر والمحمر والكنائف والقطائف المصحوبة بأنفاس "النرجيلة" والسهر على المحطات التي تحيي الشهر الفضيل بمزيد من مبارزة الله تعالى بالفسوق والعصيان. إن ما يحدث في شهر رمضان تفريغ له من حقيقته بل هو اختطاف له على حد تعبير الكاتب علي آل غراش الذي أحب أن أنقل كلامه حيث قال تحت عنوان "عملية اختطاف خطيرة في شهر رمضان": أشارت تقارير صادرة من البلدان الإسلامية وبالخصوص العربية إلى اختطاف الأجواء الروحانية العبادية لشهر رمضان المبارك من قبل عدة جهات وقد بدأ التخطيط لعملية الاختطاف المنسقة قبل دخول الشهر الكريم بعدة شهور والغريب في الأمر أن معظم المسلمين لم يشعروا حتى هذه اللحظة بعملية الاختطاف". إن مسؤولية الكلمة وواجب تذكير المؤمنين يحتم عليّ أن ألوذ إلى رحاب السنة النبوية المطهرة فانتقي منها أحاديث تظهر فضائل هذا الشهر لعلها تنفع المؤمنين: عن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتاكم رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويُباهي بكم ملائكته فأروا الله من أنفسكم خيراً فإن الشقي من حُرِمَ فيه رحمة الله " وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا كان أول ليلة من رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغُلقِّت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، ويُنادي منادٍ يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة" وقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله- تبارك وتعالى- فرض صيام رمضان عليكم، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". أمام هذا الفرص الهائلة والرحمة المهداة من الله وأبواب الجنة المفتحة فقد حُقّ لنبيكم صلى الله عليه وسلم أمين الأرض أن يأمّن على دعاء أمين السماء جبريل عليه السلام عندما دعا فقال: "رَغِمَ أنف من أدرك رمضان فلم يغفر له". بقلم: معتز محمد هاشم
|
||||