مجالس العرب

العودة للمدارس
الجمعة, 08.31.2007, 07:00pm (GMT)

بحكم أن عندي توأما من الأولاد، فقد كان قلقي مضاعفاً من اقتراب العودة للمدارس، وأما أسباب هذا القلق فهي ثلاثية على رأسها الأقساط المرتفعة للمدارس الخاصة، وثانيها خوفي من ردة أفعال الطفلين لدى دخولهما الأول للمدرسة بما تمثل في ذهن الطفل من تهديد لكيانه لتركه عشه.
وأما السبب الثالث فتخوفي مما سيواجه أحدهما من مشاكل في الدراسة والتحصيل، ذلك أني خبرته ملولاً، لا يحب بذل الجهد للتعلم، ولا تغريه المراكز المتقدمة ولا يحب المزاحمة للوصول إلى ما ينفعه فكان انسحابياً يؤثر الظل.
أما زوجتي فكان قلقها يتعلق بكيف يمكن أن توفق بين أعباء المنزل والإشراف على أداء الأطفال لواجباتهم المدرسية ومذاكرة دروسهم التي تزداد صعوبة كل سنة وكأن تصعيبها أو تطويل فترة الدوام المدرسي وتكثير الحشو سينقذ التعليم!! إن نتيجة هذا الحشو النظري قريبة من المثل القائل:"العصفور الذي يغرد كثيراً يجهل صنع عشه".

كان إلحاح أطفالي لشراء حقائب وتجهيزات المدرسة كبيراً، وكان احتفاؤهم بما اشتروا أكبر، لا أنكر أني كنت فرحاً مثلهم برقصاتهم الاحتفالية بعد القدوم من الأسواق، لكن قلقي مازال ملازماً لي. وكلما قرأت في كتب تربية الطفل وسلوكه ازددت حيرة في التعامل مع التفاصيل فمن قائل احرص على عدم مصاحبة أولادك للمدرسة في الأيام الأولى ومن قائل لابد على الأبوين أو أحدهما في الأيام الأولى من البقاء بقرب الطفل ولو لبعض الوقت والقدوم لاصطحابه حتى يتم انتقاله من بيئة المنزل لبيئة المدرسة بتدرج، ومن قائل بأن وجود التوأم في نفس الفصل له ثمار إيجابية عليهما وعلى المعلمة والأبوين في نفس الوقت، ومن قائل بأن المدرسة تمثل فرصة مناسبة لفصل التوأمين وأن يشق كلاً منهما طريقه بمفرده ويتخلص أحدهما من التبعية للآخر.
تحولت حيرتي لإحباط عندما قرأت في كتاب يحمّل مؤلفه الأبوين مسؤولية ما يشعر به الطفل في أيامه الأولى في المدرسة بحكم أنهما يبالغان في الحرص والخوف عليه ولم يشجعاه على تجارب لمواجهة المجتمع بما يحضّره لمواجهات تجربة المدرسة ونجاحه في هذه البيئة الجديدة، وأن تعامل الأبوين مع الطفل هو الذي يحدد نجاحه أو فشله في التحصيل العلمي وحب المدرسة.
وما لفت انتباهي أن صاحبنا أغفل أن بيئة التدريس والمدرس والمنهج التعليمي المحبط بدرجات والعقيم بامتياز في عالمنا العربي هو السبب في جعل المدرسة بيئة طاردة لأطفالنا.
أذكر أنني درّست مرة في مركز لتحفيظ القرآن الكريم، وكنت أدرس نحو 25 طالبا من الفئة العمرية التي بين أربع وست سنوات، وكانت الحجرة الصفية على أحسن الأحوال مترين بثلاثة، وأما ساحة اللعب فكانت باحة مسقوفة لفيللا سكنية صغيرة تخلو من أي ترفيه، وكانت الإدارة تضغط على المدرسين لضبط أكبر للطلاب. قلت عندها بل تدعونا لاغتيال طفولتهم وقمع أهم خصائصها وهي النشاط وكثرة الحركة.
لا أريد أن أزيد الإحباط بالمقارنة مع التعليم في الدول المتقدمة ففي حصة علوم موضوعها الحشرات عندهم، يصطحب المدرس التلاميذ لحديقة مجهزة لهذا الغرض مليئة بأنواع الحشرات ويطلق لتلاميذه العنان في ملاحقة الفراشات وصيدها والتعرف على خصائصها عن قرب فيتحول الدرس إلى متعة ورياضة بدنية وتفريغ لنشاط الطفل على نحو إيجابي وأما المعلومات العلمية فإنها تستقر في ذهن الطالب كتجربة عملية لا تنسى، وليس حشوا في تلافيف الدماغ.
 تركت الكتب التي لم تزدني إلا حيرة ووجدت أني أب صالح وشبه مثالي لا يحتاج لتوجيهات الكتب والمواقع التربوية المتضاربة، وشعرت أني بحاجة ملحة أن أفزع للصلاة وألجأ إلى الله تعالى وأسأله أن لا يتركنا وأطفالنا لاجتهادات وإحباطات العملية التعليمية.
إذا لم يكن عوْنٌ من الله للفتى                    فأول ما يجني عليه اجتهاده

بقلم: معتز محمد هاشم الجعبري